الذهبي

718

تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام ( تحقيق معروف )

حتى إن الإمام استصحى في الخطبة . وساق بتخاص المَنْصُورِيّ إلى السّلطان وهو نازل على بدعرش بقرب قاقون ليخبره بأن العدوّ فِي البلاد وقد قرُبوا ، فضعف الجيش عن اللّقاء وجبنوا ، ورحل السّلطان إلى الديار المصرية ولم تظهر لمجيئه ثَمَرة ، فوجلت القلوب واختبط البلد ، وأيقن الناس بالهرب أو العطب واكتريت المحارة بخمسمائة فِي الوحْل العظيم والبرد الشّديد والأمطار ، وهلك الدواب والناس في الطرق واستهلّ جُمَادَى الأولى والنّاس فِي حالةٍ اللَّهُ بها عليم ، فخرج يومئذٍ شيخنا ابن تيميّة إلى المَرْج ، واجتمع بنائب السَّلْطَنَة وسكّنه وثبّته وأقام عنده يومين ، ثُمَّ ساق على البريد إلى السّلطان فلم يُدركه وفات الأمر ، فساق إلى القاهرة فدخلها يوم دخول الجيش . ويوم سابع جُمَادَى الأولى قَدِمَ بكتَمُر السّلحدار فِي ألف فارس وتيقّن النّاس رجعة المصريّين إلى بلادهم ، واستمروا في الكري والسفر وانجفل من البلد أُمم عظيمة . ويوم التاسع من الشهر أصبح النّاس فِي خوفٍ مفرط وذلك أنّ والي البلد ابن النّحّاس جفّل النّاس بنفسه ، وصار يمرّ على التّجّار فِي الأسواق ويقول : أيش قعودكم ؟ ومن قدر على السّفر فليبادر ، ثُمَّ نودي فِي البلد بذلك الظُّهر فصاح النّساء والأولاد وغُلِّقت الأسواق وبقي النّاس فِي كآبةٍ وخَمْدَة وقالوا : عسكر المسلمين قد فرط فيه ، الأمراء المصريون قد رجعوا وعسكر الشَّام لا يقوم بملتقى قازان لو ثبتوا ، كيف وهم عازمون على الهرب ؟ والنّائب الأفرم من عزمه الملتقى لو ثبت معه الجيش ، أما إذا خذلوه واندفعوا بين يدي العدوّ فما حيلته وتحدّث النّاس أنّ قازان يركب من حلب إلينا فِي عاشر جُمَادَى الأولى ، ودخل القلعة فِي هذا اليوم خلق كثير بأقواتهم وأموالهم حتى ضاقت بالخلق وانرصت حَتَّى رَضِيَ كثير من النّاس بأن يصحّ لهم مكانٌ لجلوسهم لا يمكنهم فِيه النّوم ، وحاروا فِي أمرهم وبَوْلهم ، ثُمَّ نودي فِي عاشر الشهر : مَنْ قَصْدُه الجهاد فليقعُدْ ويتهيّأ له ومن هو عاجز فلينج بنفسه .